جان لوئيس بوركهارت
272
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
التي عاقته عن بلوغ أقصى ما يصبو إليه من نجاح ، فكانت نصيحته التي محضنيها غير مرة أن أتوخى في هذه المسألة الحذر الشديد ، وهي حكمة قد تبدو للقارئ الأوربى أدنى إلى الجبن ، أو إلى المغالاة في الحيطة على الأقل ، لأنه لا يعرفها ولا يقدرها حق قدرها غير من كابد أمثال هذه الرحلة . وليس بين سنار وشندى وبربر مواصلات مائية ، ولا تستعمل القوارب إلا للعبور من بر إلى بر ، وهي إلى ذلك نادرة جدا ، ووسيلة القوم في عبور النهر الراموس الصغير من الغاب . ويطلق السكان من العرب على فرع النهر الذي تقع عليه سنار والذي ينبع من الحبشة اسم النيل أو البحر الأزرق ، فيقولون « بلد سنار مبنية على حافية النيل » . وقياسا على هذا يكون بروس على حق حين زعم أنه كاشف منابع النيل . بيد أنى سمعت غير مرة من تجار سنار أن البحر الأبيض [ النيل الأبيض ] أكبر كثيرا من النيل الأزرق ( وهم يعنون بالبحر الأبيض فرع النيل الواقع غربى النيل الأزرق ) . وقيل لي من مصدر ثقة إن بين شندى والدامر جندلا في النهر شبيها بجندل أسوان ، وإن هناك جندلا أكبر وأوعر في إقليم عرب الرباطاب بعد بربر . وكثيرا ما تقصر مياه الفيضان دون بلوغ الأرض المجاورة لشندى بسبب ارتفاع ضفتي النهر ، وفي الزرع هنا كسل وتوان يقعدانهم عن معاونة الطبيعة بشق القنوات . وقد ذكرت أن شندى تعتمد في زادها من الذرة على ما تجلبه من الجنوب ، ولكنها جلبت بعض هذا الزاد من التاكة خلال القحط الذي حل بالبلاد في العام الماضي . ويبدأ هطول المطر عادة حوالي منتصف يونيو ، غير أن الفصل المطير هنا أقل ثباتا واستقرارا منه في غرب السودان . وفي أواخر إبريل أصابت شندى شآبيب قليلة من المطر ، ولاح في المساء بعض البروق في المشرق ، وما وافى العاشر من مايو حتى علمنا أن مجرى نهر مقرن قد غص بالماء ، وأنه أفرغ ماءه في النيل بعد أن علا فيه أقداما ، فلا بد أن مطرا غزيرا قد هطل - إما صوب جبال البشارية حيث منبع مقرن ، وإما صوب منبع عطبرة في بلاد الحبش . والفرض الثاني أرجح لأننا لم نعثر فيما بعد على آثار مطر في صحراء البشارية . ولكن يخيل إلىّ أن هذه